الغزالي
240
مكاشفة القلوب المقرب إلى علام الغيوب
يبكيك ؟ قال : تفكرت في ذهاب عمري ، وقلة عملي ، واقتراب أجلي . وقال أبو سليمان : عودوا أعينكم البكاء ، وقلوبكم التفكر . وقال أبو سليمان أيضا : الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة ، وعقوبة لأهل الولاية . والفكر في الآخرة يورث الحكمة ، ويحيي القلوب . وقال حاتم : من العبرة يزيد العلم ، ومن الذكر يزيد الحب ، ومن التفكر يزيد الخوف . وقال ابن عباس : التفكر في الخير يدعو إلى العمل به ، والندم على الشر يدعو إلى تركه . ويروى أن اللّه تعالى قال في بعض كتبه : إني لست أقبل كلام كل حكيم ، ولكن أنظر إلى همّه « 1 » ، وهواه ، فإذا كان همّه وهواه لي ، جعلت صمته تفكرا وكلامه حمدا ، وإن لم يتكلم . وقال الحسن : إن أهل العقل لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر ، وبالفكر على الذكر ، حتى استنطقوا قلوبهم فنطقت بالحكمة « 2 » . وقال إسحاق بن خلف : كان داود الطائي رحمه اللّه تعالى على سطح في ليلة قمراء ، فتفكر في ملكوت السماوات والأرض وهو ينظر إلى السماء ويبكي ، حتى وقع في دار جار له . قال : فوثب صاحب الدار من فراشه عريانا ، وبيده سيف ، وظن أنه لص ، فلما نظر إلى داود ، رجع ووضع السيف ، وقال : من ذا الذي طرحك من السطح ؟ قال : ما شعرت بذلك . وقال الجنيد : أشرف المجالس وأعلاها ، الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد ، والتنسم بنسيم « 3 » المعرفة ، والشرب بكأس المحبة مع بحر الوداد ، والنظر بحسن الظن
--> ( 1 ) انظر إلى همّه : أي عزيمته . ( 2 ) الحكمة : هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم والمقصود بها هنا : العلم والتفقه . وهي أيضا وضع كل أمر في مكانه المخصص له . ( 3 ) النّسيم : هو الريح اللينة التي لا تحرك شجرا ولا تقفي أثرا .